في تحقيق استقصائي لـ "وطن": خسائر بـ"ملايين الشواقل" تلحق بـ"ذهبنا الأخضر"

في تحقيق استقصائي لـ "وطن": خسائر بـ"ملايين الشواقل" تلحق بـ"ذهبنا الأخضر"

وطن للأنباء- تحقيق أيسر البرغوثي: آمال كثيرة بناها المزارع عصمت سمارة على موسم الزيتون للحصول على كميات زيت جيدة، تناسب كمية الزيتون التي قطفها، لكن آماله خابت حينما حصل على  نصف الكمية دون معرفة الأسباب التي وقفت وراء ذلك، في وقت كشف تحقيق استقصائي أنجزه تلفزيون "وطن"، عن أن ضعف الإدارة الفاعلة للمعاصر وتهالك الآلات وقفت وراء زيادة فاقد الزيت في المعاصر الفلسطينية، ما تسبب بخسائر بملايين الشواقل سنويًا من الناتج القومي.

 

 ويقول المزارع سمارة إنه ذهل بحصوله على كميات زيت قليلة مقارنة مع كميات الزيتون التي قطفها، معتقدًا أن ذلك قد يكون نتيجة خلل في المعصرة، أو ضعف الخبرة في عصر الزيتون لدى العاملين فيها.

 

 وبات ارتفاع نسبة فاقد زيت الزيتون في المعاصر يقلق الكثير من المزارعين الذين يعتمدون على هذا الموسم لجني ثمار عام من التعب على أمل تلبية احتياجاتهم المعيشية، لكن خسائرهم المالية، التي قُدرّت عام 2013، حسب مسؤولين في وزارة الزراعة، بنحو 16 مليون شيقل "نحو 4 ملايين دولار" جراء ارتفاع نسبة فاقد الزيت في "الجفت".

 

 وقال مدير دائرة الزيتون في الوزارة رامز عبيد، إن أهم سبب لارتفاع الفاقد يعود لضعف آلية إدارة المعاصر، إضافة إلى أسباب فنية أخرى تتعلق بقِدم المعدات في المعاصر.

 

 ووفقًا لأرقام صدرت عن وزارة الزراعة، بلغ المتوسط الكلي لنسبة فاقد الزيت في الجفت 12%، وفي بعض المعاصر تجاوز 20%، علمًا أن تلك النسبة يجب ألا تتجاوز 6% وفق النسب العالمية، ما يستدعي التدخل العاجل للكشف عن مسببات هدر" ذهبنا الأخضر".

 

 وكشف فحص عينة عشوائية من الجفت أرسلناها إلى مختبر وزارة الزراعة في نابلس، للاستدلال على نسبة الفاقد من الزيت، ارتفاع نسبة الزيت في الجفت، ما يؤشر على وجود خلل لا بد من معالجته، حفاظًا على الزيت وأرباح المزارعين.

 

 ويدعم عامر غانم أحد المختصين في جمعية الإغاثة الزراعية، ما جاء في نتائج الفحص، بقوله إن النسب "مرتفعة جدًا" مقارنة مع النسب العالمية، مشددًا على ضرورة "دراستها بشكل دقيق للوقوف على الأسباب الحقيقية وراء زيادة نسبة الفاقد في الجفت".

 

 ويتفق رئيس مجلس الزيت والزيتون الفلسطيني فياض فياض مع ذلك، بالتساؤل "هل هناك إشكالية في معاصرنا، أم أننا لا نستطيع إدارتها؟".

 

 بدوره، قال مدير إدارة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد إبراهيم القاضي، إن الإشكالية قد تكون نتيجة استخدام معدات قديمة، أو سوء إدارة خلال عمليات عصر الزيتون، مؤكدًا على أهمية متابعة هذا الملف لمعالجة أسباب الخلل.

 

 معاصر الزيتون هي العنوان الأساس لتبيّن المشكلة القائمة، فالقضية تتعلق بإدارة وكفاءة المعاصر التي يصل عددها الى 299 معصرة عاملة في فلسطين، ما يستوجب قرع الخزان أمام هذه الإشكاليات التي تلحق الخسائر بالاقتصاد الوطني، خاصة أن 23 منها لا تزال قديمة.

 

 ويؤكد الخبير الإيطالي دانيل سليماني، وبعد جولة ميدانية اطّلع خلالها على واقع المعاصر الفلسطينية، أن معظمها "قديمة جدًا" تعود إلى أكثر من 30 لـ 40 عامًا، في حين أن كفاءتها تستمر بين 10 أو 15 عامًا كحد أقصى، ما يضاعف تكلفة الصيانة التي تكون على حساب المزارعين.

 

 في المقابل، يشكو بعض أصحاب المعاصر من ضعف متابعة الجهات المسؤولة لعملهم، وضعف عمليات الإرشاد في هذا المجال. منهم أكرم النعسان، صاحب أحد المعاصر في محافظة رام الله والبيرة، الذي ينتقد ضعف عمليات الإشراف والمتابعة لعمل المعاصر، مردفًا "يأتون إلينا ويأخذون عينات من الجفت، لكننا لا نعلم شيئا عن نتائج الفحوصات التي يقومون بها".

 

 بينما تقول وزارة الزراعة إنها عملت خلال الأعوام الثلاثة الماضية على تقييم واقع المعاصر وظروف عملها، بالشراكة مع مؤسسات أهلية أخرى، وأن الأعوام القادمة "ستشهد إجراءات ضد المخالفين، إن لم يصححوا أوضاعهم".

 

 وهدد عبيد بإغلاق المعاصر المخالفة وغير الملتزمة بتصويب أوضاعها الإدارية، حيث قال "إننا لن نرحم من سيستمر في إلحاق الخسائر بالمزارعين ولا يرحمهم".

 

ويُقدر معدل إنتاج فلسطين من زيت الزيتون في السنة جيدة الإنتاج بحوالي 33 ألف طن، وفي السنوات غير جيدة الإنتاج، بحوالي سبعة آلاف طن، وتراجعت هذه التقديرات في السنوات الأخيرة، إلى أن وصلت لـ 22 ألف طن من الزيت عام 2010 (سنة جيدة)، وخمسة آلاف طن عام 2009 (سنة رديئة)، حيث اضطرت الحكومة وللمرة الأولى، إلى فتح باب الاستيراد من الدول المنتجة للزيت.

 

 وتصل حصة قطاع الزيتون من الدخل القومي الفلسطيني إلى 2.14% علمًا أن إجمالي ما أسهم به قطاع الزراعة عام 2010 حوالي 5.5% من إجمالي الدخل القومي المحلي، في حين تشكل مخلفات عمليات العصر في المعاصر من "جفت" ومياه عادمة "زيبار" عبئًا بيئيًا على المجتمع الفلسطيني؛ إذ لم تجر معالجتها لاستخدامها في الصناعات الأخرى، علمًا أن التأخر في إدارة هذه المخلفات يتسبب في تراجع القيمة الاقتصادية ولو كانت بسيطة.

 

 وحيث تتعدد المبررات والاجتهادات لتفسير ما يجري من الهدر السنوي  لـ "ذهبنا الأخضر" دون اتخاذ الإجراءات الواجبة في هذا الاتجاه، فإن باقي المزارعين مثل سمارة، يتحملّون الخسائر بصمت، على أمل أن تعوضهم المواسم المقبلة.